الغلا كله
07-17-2008, 08:09 PM
بِلا عنوان ..
أخذ يرمق أرضية الغرفة الخشبية بعينٍ ساهمة , لاحظ خطوط الخشب الرفيعة . تجاعيد على وجه الأرض .. رسمت له مخيلته وجوهاً تنسكب عليها من الماضي .. " هذا يبدو كوجه أمى .. بغمازتيها .. " .. " وذلك يبدو كعم محمد .. غريبة كيف تنطبع صور ساكنى المنزل فيه .."
أخذته تأملاته بعيدا عن الجسد المسجى بجواره , لكأنه يهرب من واقعٍ محتوم ..
انتشلته من شروده حركة خفيفه على السرير بجواره .. اقترب من ذاك الجسد يتحسس نبضه ..
وكما دقق في أرضية الغرفه سرقته اخاديد الزمن على ذلك الوجه المتعب , لطالما نظر إلى هذا الوجه بخوف أكثر منه احترام , والأن .. هاهو كطفلٍ عاجز حتى عن المسير , اعتصرت قلبه غصة أبعدها بسرعه , وعاد لمكانه الذى كان فيه , ينظر إلى لامكان , عادت به الذاكره إلى ماوراء اللحظه , عمر مضى وسنين هربت الآن يراها كأنها بالأمس ..
استغرق في أفكاره مره اخرى , وامتدت يده لا شعوريا إلى علبة سجائره , انتفض على يدٍ هزت كتفه برفق , تطلب منه أن يُطفئ سيجارته , اعتذر بخجل وأطفأها , وقف وخرج من الغرفه مشى ببطء حتى وصل إلى الخارج , رفع عينيه يتأمل السماء , " تأخر الخريف .. " قال لنفسه كأنه ينتظره منذ زمن .. جلس على مقعد حجرى بارد , تأكد أن لا أحد حوله قد ينزعج من تدخينه وأخرج سيجارته , رائحة عود الكبريت المحترق جلبت معها سيلاً من الذكريات في تلك اللحظه .. ألم يكن يشمها طوال أكثر من 15 عاما .. !!!
" كم أفتقد أمى .. " تغضنت عيناه وهو يسرق نفساً آخر من السيجاره 0
لماذا لا نتذكر من رحلوا إلا عند رحيل آخرين ؟؟.. " ولكننى لم أنسها .. "
الا تزال تذكر ملامحها بدون أن تنظر إلى صورةٍ لها ؟؟ " نعم افعل ذلك .. "
وتتذكرصوتها .. رائحتها .. " نعم نعم .. "
وتتذكر دثارها الذى كانت تلفك فيه في ليالي الشتاء ؟؟
" دثار .؟؟.. " نعم دثار ما بالك ؟.. هل نسيته ؟
أغمض عين قلبه ليتذكر ..
هبتَّ ريحٌ بارده , أحكم اغلاق المعطف على جسده النحيل , كانت سيجارته قد ماتت بين اصابعه , رمى عقب السيجاره ومد يده ليأخذ أخرى . تذكر والدته , كان يشم بين طياتها رائحة الخبز الطازج وعلى أطراف أصابعها تعلق رائحةَ بقدونس قد تكون فرمته على الغداء ومن أنفاسها تنبعثُ دائِماً نكهة النعناع التى تمضغها باستمرار ...كل ذلك عندما تضمه إلى صدرها وتهدهده لينام , وتحكى له حكاية الفلاح و البيدر..
تنهد .. انبعث دخان السيجاره من صدره وتلاشى في الجو .. كما تلاشت تلك الأيام السعيدة , رفع عينه ينظر إلى قرص الشمس المائل , ليست بتلك القوة ولا بذلك الدفء , يبدو أن الخريف قد وصل أخيراً .
نفض يديه ليعيد إليهما الدفء ووقف ليعود إلى الداخل , لم يتغير المكان منذ سنوات , باستثناء نمو الأعشاب حول المدخل وجفاف شجرة المشمش وتشقق الباب , لكأن الزمن لا يترك أحداً حتى الجمادات , صوت طرق حذائه على الحجر الأرضى غريب , يتردد صداه ببرودة ..
" تباً لهذا المكان .. يبقى بارداً في الشتاء والصيف .. لا بد أن تُشعل ناراً فيه لتتمكن من جعله دافئاً " .." من الذى قال أن الدفء ينبعث من الداخل .. حتما لم يُجرب الحياةَ هُنا .."
بدأ الظلام يتسلل من النوافذ المُغلقة أمام زحف الغروب , صوت حفيف ستائر يسحبها أحدهم فى مكانٍ ما أزعجت الصمت الساكن بين زوايا المكان . وصل للغرفة , وجلس في نفس المكان , لا شئ تغير سوى اختفاء الظلال , وضوء اباجورة بجانب السرير اضاء الغرفة نوعاً ما .
" والآن ماذا .. ؟؟ " سألها ..
" لا شئ .. سوى الأنتظار .. قد تستمر الغيبوبة لفترة من الوقت .. "
" ولكنها المرة الأولى التى تستمر بهذا الشكل ,, "
" لذلك اقول لك ليسَ بوسعنا سوى الأنتظار .. والدعاء "
" ولكن .. " تردد ..
" ماذا . ؟" ابتسمت له .. تعلم ما الذى يُريد أن يَسأل عنه , ولكن ترك الآخرين يبوحون بِمخاوفهم كان يُخفف كثيراً من توترهم , ويُسهل عليهم تقبل الحقيقة فيما بعد .
" هل يستطيعُ سماعى .. ؟؟ أعنى هل يُحس بمن حوله .. هل يعرفنى .. هل .. "
" كثيرون عبروا تلكَ المرحلة , وذكروا اشياء حدثت اثناء غيبوبتهم , وأحاديث دارت حول أسرتّهم , بينما كان الجميع يتصور أنهم لا يعلمون بما يدور حولهم .. " أجابته بهدوء ..
" لا تضغط على نفسك كثيراً .. أترغب ببعض الشاى .. الليلة باردة بشكل كبير "
كان يُحدق في الوجه النائم ..
" سأحضر لك بعضه .." وأغلقت الباب خلفها بهدوء .
نظر إلى المريض , لماذا أتى ؟؟ .. أخذ يسأل نفسه , لقد غاب طويلا فما جدوى العودة الآن
فلا يمكن اصلاح ماانكسر والماضى قيدٌ ثقيل لا يمكن التحرر منه بمجرد كلمة.
.
.
.
أخذ يرمق أرضية الغرفة الخشبية بعينٍ ساهمة , لاحظ خطوط الخشب الرفيعة . تجاعيد على وجه الأرض .. رسمت له مخيلته وجوهاً تنسكب عليها من الماضي .. " هذا يبدو كوجه أمى .. بغمازتيها .. " .. " وذلك يبدو كعم محمد .. غريبة كيف تنطبع صور ساكنى المنزل فيه .."
أخذته تأملاته بعيدا عن الجسد المسجى بجواره , لكأنه يهرب من واقعٍ محتوم ..
انتشلته من شروده حركة خفيفه على السرير بجواره .. اقترب من ذاك الجسد يتحسس نبضه ..
وكما دقق في أرضية الغرفه سرقته اخاديد الزمن على ذلك الوجه المتعب , لطالما نظر إلى هذا الوجه بخوف أكثر منه احترام , والأن .. هاهو كطفلٍ عاجز حتى عن المسير , اعتصرت قلبه غصة أبعدها بسرعه , وعاد لمكانه الذى كان فيه , ينظر إلى لامكان , عادت به الذاكره إلى ماوراء اللحظه , عمر مضى وسنين هربت الآن يراها كأنها بالأمس ..
استغرق في أفكاره مره اخرى , وامتدت يده لا شعوريا إلى علبة سجائره , انتفض على يدٍ هزت كتفه برفق , تطلب منه أن يُطفئ سيجارته , اعتذر بخجل وأطفأها , وقف وخرج من الغرفه مشى ببطء حتى وصل إلى الخارج , رفع عينيه يتأمل السماء , " تأخر الخريف .. " قال لنفسه كأنه ينتظره منذ زمن .. جلس على مقعد حجرى بارد , تأكد أن لا أحد حوله قد ينزعج من تدخينه وأخرج سيجارته , رائحة عود الكبريت المحترق جلبت معها سيلاً من الذكريات في تلك اللحظه .. ألم يكن يشمها طوال أكثر من 15 عاما .. !!!
" كم أفتقد أمى .. " تغضنت عيناه وهو يسرق نفساً آخر من السيجاره 0
لماذا لا نتذكر من رحلوا إلا عند رحيل آخرين ؟؟.. " ولكننى لم أنسها .. "
الا تزال تذكر ملامحها بدون أن تنظر إلى صورةٍ لها ؟؟ " نعم افعل ذلك .. "
وتتذكرصوتها .. رائحتها .. " نعم نعم .. "
وتتذكر دثارها الذى كانت تلفك فيه في ليالي الشتاء ؟؟
" دثار .؟؟.. " نعم دثار ما بالك ؟.. هل نسيته ؟
أغمض عين قلبه ليتذكر ..
هبتَّ ريحٌ بارده , أحكم اغلاق المعطف على جسده النحيل , كانت سيجارته قد ماتت بين اصابعه , رمى عقب السيجاره ومد يده ليأخذ أخرى . تذكر والدته , كان يشم بين طياتها رائحة الخبز الطازج وعلى أطراف أصابعها تعلق رائحةَ بقدونس قد تكون فرمته على الغداء ومن أنفاسها تنبعثُ دائِماً نكهة النعناع التى تمضغها باستمرار ...كل ذلك عندما تضمه إلى صدرها وتهدهده لينام , وتحكى له حكاية الفلاح و البيدر..
تنهد .. انبعث دخان السيجاره من صدره وتلاشى في الجو .. كما تلاشت تلك الأيام السعيدة , رفع عينه ينظر إلى قرص الشمس المائل , ليست بتلك القوة ولا بذلك الدفء , يبدو أن الخريف قد وصل أخيراً .
نفض يديه ليعيد إليهما الدفء ووقف ليعود إلى الداخل , لم يتغير المكان منذ سنوات , باستثناء نمو الأعشاب حول المدخل وجفاف شجرة المشمش وتشقق الباب , لكأن الزمن لا يترك أحداً حتى الجمادات , صوت طرق حذائه على الحجر الأرضى غريب , يتردد صداه ببرودة ..
" تباً لهذا المكان .. يبقى بارداً في الشتاء والصيف .. لا بد أن تُشعل ناراً فيه لتتمكن من جعله دافئاً " .." من الذى قال أن الدفء ينبعث من الداخل .. حتما لم يُجرب الحياةَ هُنا .."
بدأ الظلام يتسلل من النوافذ المُغلقة أمام زحف الغروب , صوت حفيف ستائر يسحبها أحدهم فى مكانٍ ما أزعجت الصمت الساكن بين زوايا المكان . وصل للغرفة , وجلس في نفس المكان , لا شئ تغير سوى اختفاء الظلال , وضوء اباجورة بجانب السرير اضاء الغرفة نوعاً ما .
" والآن ماذا .. ؟؟ " سألها ..
" لا شئ .. سوى الأنتظار .. قد تستمر الغيبوبة لفترة من الوقت .. "
" ولكنها المرة الأولى التى تستمر بهذا الشكل ,, "
" لذلك اقول لك ليسَ بوسعنا سوى الأنتظار .. والدعاء "
" ولكن .. " تردد ..
" ماذا . ؟" ابتسمت له .. تعلم ما الذى يُريد أن يَسأل عنه , ولكن ترك الآخرين يبوحون بِمخاوفهم كان يُخفف كثيراً من توترهم , ويُسهل عليهم تقبل الحقيقة فيما بعد .
" هل يستطيعُ سماعى .. ؟؟ أعنى هل يُحس بمن حوله .. هل يعرفنى .. هل .. "
" كثيرون عبروا تلكَ المرحلة , وذكروا اشياء حدثت اثناء غيبوبتهم , وأحاديث دارت حول أسرتّهم , بينما كان الجميع يتصور أنهم لا يعلمون بما يدور حولهم .. " أجابته بهدوء ..
" لا تضغط على نفسك كثيراً .. أترغب ببعض الشاى .. الليلة باردة بشكل كبير "
كان يُحدق في الوجه النائم ..
" سأحضر لك بعضه .." وأغلقت الباب خلفها بهدوء .
نظر إلى المريض , لماذا أتى ؟؟ .. أخذ يسأل نفسه , لقد غاب طويلا فما جدوى العودة الآن
فلا يمكن اصلاح ماانكسر والماضى قيدٌ ثقيل لا يمكن التحرر منه بمجرد كلمة.
.
.
.